ابن بسام

230

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وله من أخرى : ولئن كانت الأيام تنسيك ، فالأماني تدنيك ، ولئن / كنت محجوبا عن الناظر ، فإنك مصوّر في الخواطر [ 1 ] ، أناجيك بلسان الضمير ، وأعاطيك سلاف السرور ، وأداعبك مداعبة الحضور ، وأجاذبك فضول اللعب ، وأبلغ معك إلى حدّ الطرب ، حتى أسكّن شوقي إليك ، وأقضي وطري منك ، وأنت في كلّ حال لا تشعر ، وذاهل لا تذكر ، ولا تقطع زمانك إلّا بحظيرة حولك تصنعها ، وخيمة ترفعها ، فإذا تمّ لك هذا اللهو ، تداخلك الزهو ، وشمخ بأنفك البأو ، وخلت أنك متوّج على سرير ، أو ربّ خورنق وسدير ، فمتى نلتقي على حال ، ويتفق مذهبنا في وصال ؟ ! هذا لعمري بعيد ، اللهمّ إن كان من الدهر حلم ، واكتهال السنّ نوم ، ونجوم الشيب قد طلعت من الغدائر ، وعمايات الصّبا قد انجلت عن البصائر ، فتذكر من الودّ ما أذكر ، وتفكّر في النأي كما أفكر ، وتحنّ إلى تلاق ، وتبرّد غليل اشتياق . وله فصول من رسائل ، في العنايات والوسائل فصل من رقعة : معرفتك بتقلّب الأيام بذوي الفضل ، وحكمها [ فيهم ] بغير السّويّة والعدل ، تغني عن عرض ذلك عليك ، وتقريره لديك . وفلان ممن عرفت حاله في الثروة والمنعة ، ورتبته في الجاه والرفعة ، لكن أساءت إليه بعد الإحسان ، وامتحنته [ 82 ب ] بأنواع من الامتحان ، حتى ذهبت بجميع وفره ، واضطرته إلى بني دهره ؛ وقصدك مستجيرا من عثرته ، ومثلك بادر إلى مشاركته ، وحضّ على إسلاف البرّ إليه ، ورغب في وضع [ 2 ] الصنائع لديه . / وفي فصل من أخرى : للصنائع - أعزّك اللّه - عوائد من الحمد ، تطيل بناء المجد [ 3 ] ، ومثلك انتهى في إسلافها منتهى الجاهد ، ونافس فيها بالطارف والتالد ؛ والأديب أبو فلان ممن تزكو لديه ، ويتظاهر جمالها عليه ، بما له من المحاسن التي تؤلّف منثور المفاخر ، وتنظم أشتات المآثر ، ثم بالأدب الذي يمتع بالاجتناء [ 4 ] زهره ، والفهم الذي يتطاير عند الاقتداح شرره ، إلى ما يرجع إليه من عفّة طعمته ، وعلوّ همته ، وتحلّ

--> [ 1 ] ط د : الخاطر . [ 2 ] ب م : موضع . [ 3 ] د ط : نطيل فيها الحمد . [ 4 ] ب م : في الاجتناء .